ابن قيم الجوزية

555

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

يثبت اللّه بها قلوب المريدين . ثم قرأ قوله تعالى : وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [ هود : 120 ] . وقد ذكر عن الجنيد كلمتان في الإرادة مجملتان تحتاج كل منهما إلى تفسير الكلمة الواحدة : قال أبو عبد الرحمن السلمي : سمعت محمد بن مخلد يقول : سمعت جعفرا يقول : سمعت الجنيد يقول : المريد الصادق غني من العلماء . وقال أيضا : سمعت الجنيد يقول : إذا أراد اللّه بالمريد خيرا : أوقعه إلى الصوفية . ومنعه صحبة القراء . قلت : إذا صدق المريد ، وصح عقد صدقه مع اللّه : فتح اللّه على قلبه ببركة الصدق ، وحسن المعاملة مع اللّه : ما يغنيه عن العلوم التي هي نتائج أفكار الناس وآرائهم . وعن العلوم التي هي فضلة ليست من زاد القبر . وعن كثير من إشارات الصوفية وعلومهم ، التي أفنوا فيها أعمارهم : من معرفة النفس وآفاتها وعيوبها ، ومعرفة مفسدات الأعمال ، وأحكام السلوك . فإن حال صدقه ، وصحة طلبه : يريه ذلك كله بالفعل . ومثال ذلك : رجل قاعد في البلد يدأب ليله ونهاره في علم منازل الطريق وعقباتها وأوديتها ، ومواضع المتاهات فيها ، والموارد والمفاوز . وآخر : حمله الوجد وصدق الإرادة على أن ركب الطريق وسار فيها . فصدقه يغنيه عن علم ذلك القاعد ، ويريه إياها في سلوكه عيانا . وأما أن يغنيه صدق إرادته عن علم الحلال والحرام ، وأحكام الأمر والنهي ، ومعرفة العبادات وشروطها وواجباتها ومبطلاتها ، وعن علم أحكام اللّه ورسوله على ظاهره وباطنه : فقد أعاذ اللّه من هو دون الجنيد من ذلك ، فضلا عن سيد الطائفة وإمامها . وإنما يقول ذلك قطاع الطريق ، وزنادقة الصوفية وملاحدتهم ، الذين لا يرون اتباع الرسول شرطا في الطريق « 1 » . وأيضا فإن المريد الصادق : يفتح اللّه على قلبه ، وينوره بنور من عنده ، مضاف إلى ما معه من نور العلم ، يعرف به كثيرا من أمر دينه . فيستغني به عن كثير من علم الناس . فإن العلم نور . وقلب الصادق ممتلئ بنور الصدق . ومعه نور الإيمان . والنور يهدي إلى النور . والجنيد أخبر بهذا عن حاله . وهذا أمر جزئي ليس على عمومه « 2 » بل صدقه يغنيه عن كثير من العلم . وأما عن جملة العلم : فكلام أبي القاسم الثابت عنه في ضرورة الصادق إلى العلم ، وأنه لا يفلح من لم يكن له علم ، وأن طريق القوم مقيدة بالعلم ، وأنه لا يحل لأحد أن يتكلم في الطريق إلا بالعلم ، فمشهور معروف « 3 » قد ذكرنا فيما مضى طرفا منه . كقوله « من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر . لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة » .

--> ( 1 ) فينبغي لكل صوفي ليسلم له دينه وعقيدته وقلبه : أن يقرأ عند كل جملة للجنيد وغيره من أئمتهم كلام الشيخ ابن القيم . ليسلم من صرائح عباراتهم واللّه المسلم . وأصدق الحديث كلام اللّه . وخير الهدي هدي محمد صلى اللّه عليه وسلم . وشر الأمور محدثاتها . وكل محدثة بدعة . وكل بدعة ضلالة . وكل ضلالة في النار . ( 2 ) وأين ذلك من قوله ؟ ! ( 3 ) وقد فهم أتباعه - الذين هم أعرف الناس بمقاصده - أنه يقصد علمهم هم ومصطلحاتهم من عبارات « الكتاب والسنة . والسلف وكل حزب بما لديهم فرحون .